ابن الجوزي

311

زاد المسير في علم التفسير

والثاني : أنه جهاد الكفار ، قاله الضحاك . والثالث : أنه جهاد النفس والهوى ، قاله عبد الله بن المبارك . فأما حق الجهاد ، ففيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الجد في المجاهدة ، واستيفاء الإمكان فيها . والثاني : أنه إخلاص النية لله عز وجل . والثالث : أنه فعل ما فيه وفاء لحق الله عز وجل . فصل وقد زعم قوم أن هذه الآية منسوخة ، واختلفوا في ناسخها على قولين : أحدهما : قوله : * ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) * . والثاني : قوله : * ( فاتقوا الله ما استطعتم ) * وقال آخرون : بل هي محكمة ، ويؤكده القولان الأولان في تفسير حق الجهاد ، وهو الأصح ، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها . قوله تعالى : * ( هو اجتباكم ) * أي : اختاركم واصطفاكم لدينه . والحرج : الضيق ، فما من شئ وقع الإنسان فيه إلا وجد له في الشرع مخرجا بتوبة أو كفارة أو انتقال إلى رخصة ونحو ذلك . وروي عن ابن عباس أنه قال : الحرج : ما كان على بني إسرائيل من الإصر والشدائد ، وضعه الله عن هذه الأمة . قوله تعالى : * ( ملة أبيكم ) * قال الفراء : المعنى : وسع عليكم كملة أبيكم ، فإذا ألقيت الكاف نصبت ، ويجوز النصب على معنى الأمر بها ، لأن أول الكلام أمر ، وهو قوله تعالى : * ( اركعوا واسجدوا ) * والزموا ملة أبيكم . فإن قيل : هذا الخطاب للمسلمين ، وليس إبراهيم أبا لكلهم . فالجواب : أنه إن كان خطابا عاما للمسلمين ، فهو كالأب لهم ، لأن حرمته وحقه عليكم كحق الوالد ، وإن كان خطاب للعرب خاصة ، فإبراهيم أبو العرب قاطبة ، هذا قول المفسرين . والذي يقع لي أن الخطاب لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، لأن إبراهيم أبوه ، وأمة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] داخلة فيما خوطب به رسول الله .